923 مفقوداً من مراكز إيواء اللاجئين الألمانية يثيرون أسئلة مفتوحة حول الرقابة والمسؤولية

923 مفقوداً من مراكز إيواء اللاجئين الألمانية يثيرون أسئلة مفتوحة حول الرقابة والمسؤولية
أحد مراكز اللجوء في ألمانيا

تفجرت في ولاية راينلاند بفالتس الألمانية قضية أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية، بعد الإعلان عن اختفاء مئات طالبي اللجوء من مراكز إيواء رسمية خلال فترة زمنية محدودة، وأعادت القضية إلى الواجهة أسئلة حساسة تتعلق بآليات الرقابة داخل مراكز الاستقبال، وحدود حرية التنقل، ومسؤولية الدولة عن متابعة من تستضيفهم ضمن نظام اللجوء.

وذكرت صحيفة بيلد الألمانية، نقلاً عن وزارة الاندماج في ولاية راينلاند بفالتس، أن 923 طالب لجوء اختفوا من 6 مراكز إيواء خلال الأشهر الـ18 الماضية دون العثور على أثر لهم، وخلال الفترة نفسها استقبلت الولاية 10120 شخصاً، وفق بيانات نقلتها إذاعة إس في آر، ما يعني أن نسبة المختفين تبلغ 9.1 نسبة مئوية، وهو رقم اعتبره مراقبون لافتاً ويستدعي التوقف عنده، بحسب ما نقلته شبكة "دويتش فيله" السبت.

صدمة سياسية ومعارضة غاضبة

القضية تحولت سريعاً إلى مادة سجال سياسي حاد داخل الولاية، فقد وصف غوردون شنيدر، زعيم المعارضة من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، ما حدث بأنه تطور مقلق، مطالباً حكومة الولاية بتقديم إجابات واضحة للرأي العام، وأكد أن الدولة يجب أن تعرف في كل الأوقات من يقيم في مرافقها ومن يغادرها، معتبراً أن غياب هذه المعرفة يمثل إخفاقاً خطيراً في إدارة ملف اللجوء، واعتبر أن عدم امتلاك حكومة الائتلاف لهذه البيانات يشكل فضيحة سياسية وإدارية

في المقابل رفضت وزيرة الاندماج في الولاية كاتارينا بينز من حزب الخضر الاتهامات الموجهة للحكومة، واتهمت المعارضة بإثارة المخاوف وخلق صورة غير واقعية عن تهديد أمني، وأكدت أن مراكز إيواء اللاجئين ليست سجوناً، وأن طالبي اللجوء يتمتعون بهامش من حرية الحركة، وأوضحت أن بعض اللاجئين يغادرون المراكز لزيارة أقارب أو معارف لبضعة أيام قبل العودة، في حين يقرر آخرون مغادرة ألمانيا بشكل نهائي. ومع ذلك أقرت بأن الاختفاء دون إبلاغ السلطات يعد مخالفة قانونية لا يمكن تجاهلها.

حارس أمن يكشف القضية

لم تظهر الأرقام إلى العلن عبر تقارير رسمية دورية، بل كُشف عنها بعد أن قام حارس أمن يعمل في أحد مراكز استقبال اللاجئين الستة في مدينة بيتبورغ بإرسال بيانات عن المفقودين إلى عدد كبير من الأشخاص بشكل غير قانوني، وذكرت صحيفة تاغيس شاو الألمانية أن هذا التصرف هو الذي كشف حجم الظاهرة، ما فتح الباب أمام تحقيقات داخلية وتساؤلات حول حماية البيانات والرقابة داخل المراكز.

تنص القواعد المعمول بها في مراكز استقبال اللاجئين في ألمانيا على أن المغادرة لا تتم بشكل عشوائي، فبحسب مجلس اللاجئين يتوجب على كل مقيم تسجيل اسمه عند الدخول والخروج عبر بوابة المركز، وهو إجراء يفترض أن يخضع لرقابة يومية دقيقة، وأوضحت وزيرة الاندماج أن عمليات تفتيش يومية تجرى للتأكد من التزام اللاجئين بشروط الإقامة، وإذا غاب شخص لمدة 3 أيام يصنف في عداد المفقودين ويتم الإبلاغ عنه رسمياً، وبعد مرور 7 أيام يصدر مكتب الهجرة إشعاراً بالبحث عن الشخص ويرسل إلى الشرطة.

عواقب الاختفاء القانونية

يترتب على اختفاء طالب اللجوء عواقب قانونية وإدارية مباشرة، فقد أكد توماس لينيرتز، رئيس وكالة إدارة مراكز إيواء اللاجئين في الولاية، أن جميع الأشخاص الـ923 الذين صنفوا مفقودين لن يتلقوا أي إعانات حكومية، كما يشير المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين إلى أن اختفاء طالب اللجوء يؤدي إلى إلغاء طلبه أو رفضه بعد المراجعة، وأعلنت سلطات الولاية أن استحقاقات اللجوء تتوقف بعد 7 أيام من الغياب في حال عدم عودة الشخص المعني.

رغم هذه الإجراءات، تؤكد وزارة الاندماج في ألمانيا أن مراكز الاستقبال لا تشبه السجون، فطالبي اللجوء يسمح لهم بالتنقل ضمن نطاق جغرافي محدد، مع إلزامهم بالإقامة في مركز الاستقبال، ويعرف هذا التنظيم في قانون اللجوء وقانون الإقامة باسم التقييد المكاني أو شرط الإقامة، وبموجب هذا الشرط، يسمح لطالبي اللجوء عادة بالتنقل داخل نطاق سلطة الهجرة المسؤولة عنهم فقط.

أما اللاجئون الحاصلون على إقامة مؤقتة، فتقتصر حرية تنقلهم غالباً على حدود الولاية الفيدرالية المعنية بقضيتهم، ويستمر هذا الشرط طالما أن إجراءات اللجوء لم تكتمل، وهي فترة لا تتجاوز عادة 18 شهراً، وخلال هذه المدة لا يسمح لطالبي اللجوء بالإقامة مع عائلاتهم أو أصدقائهم، بل يتعين عليهم البقاء داخل مراكز الاستقبال.

إلى أين يذهب المختفون

تشير تقديرات غير رسمية إلى أن بعض طالبي اللجوء يغادرون ألمانيا إلى دول أخرى داخل الاتحاد الأوروبي أو يعودون إلى بلدانهم الأصلية دون إلغاء تسجيلهم أو إبلاغ مراكز الإيواء، كما يرجع اختفاء آخرين إلى سوء ظروف المعيشة في بعض المراكز، حيث يضطر اللاجئون إلى العيش في مساحات ضيقة مشتركة، ما يدفعهم إلى البحث عن بدائل لدى أقارب أو معارف.

وأوضحت أنيكا كريستايت من مجلس اللاجئين لإذاعة إس في آر أن عدم تسجيل المغادرة لا يرتبط في معظم الحالات بنوايا سيئة، بل يعود غالباً إلى نقص الوعي بالإجراءات والبيروقراطية الألمانية، وأضافت أن هذا السلوك شائع ولا يدعو بالضرورة إلى القلق، محذرة من تصوير طالبي اللجوء بوصفهم خطراً أمنياً بحد ذاته، بحسب ما أوردته صحيفة تاغيس شاو.

مخاطر الاتجار بالبشر

مع ذلك يحذر خبراء من السيناريو الأسوأ، والمتمثل في وقوع بعض طالبي اللجوء في أيدي شبكات الاتجار بالبشر، ويجري المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية مئات التحقيقات سنوياً في قضايا تتعلق بالاستغلال الجنسي وأشكال العبودية الحديثة، وفق ما ذكرته صحيفة برلينر مورغن بوست، وتشير مراكز الاستشارة إلى أن طالبي اللجوء يتعرضون بشكل متكرر للتجنيد من قبل عصابات إجرامية منظمة للعمل غير القانوني أو الاستغلال الجنسي، وأحياناً من داخل مراكز الإيواء نفسها.

كما أفادت تقارير بأن جماعات متطرفة تتواصل مباشرة مع اللاجئين الشباب أو تستهدفهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وفي هذا السياق، أعلن وزير الدولة لشؤون الاندماج يانوش ليتيج أن وزارة الداخلية حققت في حالات اختفاء من مركز بيتبورغ منذ أغسطس 2024، وتبين أن 7 أشخاص كانوا معروفين لدى الشرطة بسجلات جنائية تتعلق بالاعتداء والسرقة وجرائم المخدرات، وفق صحيفة فيلت الألمانية.

تواجه ألمانيا منذ أعوام تحديات متزايدة في إدارة ملف اللجوء، في ظل تدفق أعداد كبيرة من طالبي الحماية نتيجة النزاعات والأزمات العالمية، وتعد مراكز الاستقبال المرحلة الأولى في نظام اللجوء، حيث يقيم المتقدمون ريثما تنظر السلطات في طلباتهم، وبينما تقوم القوانين على موازنة دقيقة بين حرية الفرد ومتطلبات الرقابة، تكشف قضية راينلاند بفالتس عن ثغرات محتملة في المتابعة والإدارة، وتسلط هذه القضية الضوء على الحاجة إلى تحسين آليات التسجيل والرقابة، وتعزيز الدعم الاجتماعي داخل المراكز، ما يقلل من حالات الاختفاء ويحد من المخاطر الإنسانية والأمنية المرتبطة بها، في وقت يتزايد فيه الجدل العام حول سياسات اللجوء والاندماج في ألمانيا وأوروبا.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية